الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

88

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

كَذَّبُونِ ( 39 ) أي انتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي . قالَ تعالى عدة بالقبول عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ( 40 ) أي بعد زمان قليل ليصيرن نادمين على التكذيب ، وذلك عند معاينتهم للعذاب فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ أي دمرهم اللّه تعالى بالصيحة العظيمة وبالريح العقيم ، بالعدل من اللّه تعالى وقد روي أن شداد بن عاد حين أتم بناء إرم سار بأهله إليها ، فلما دنا منها بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فهلكوا فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً أي فجعلناهم بعد موتهم مثل ورق يابس يحمله السيل في عدم المبالاة بهم . فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 41 ) « فبعدا » مصدر منصوب بفعل لا يستعمل إظهاره لأنه بمعنى الدعاء عليهم ، و « للقوم » متعلق بمحذوف واللام للبيان . فاللّه تعالى ذكر ذلك على وجه الإهانة لهم وهو التبعيد من الخير . وقد نزل بهم العذاب دالا على ذلك مع أن الذي ينزل بهم في الآخرة من العذاب أعظم مما نزل بهم ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم . والمعنى أهلكوا وخابوا من رحمة اللّه تعالى دنيا وأخرى . ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي بعد هلاكهم قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) هم قوم صالح ، ولوط ، وشعيب ، ويونس ، وأيوب . فاللّه تعالى ما أخلى الأرض من مكلفين بل أوجدهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا . ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) فلا نهلك أمة قبل مجيء أجلها ، ولا يستأخرون عنه بساعة . فاللّه تعالى عالم الأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم والمقتول ميت بأجله ، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر وذلك ينافيه هذا النص . ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا أي أرسلنا إلى كل قرن من القرون رسولا خاصا به تَتْرا أي واحدا بعد واحد بينهما زمان طويل . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو هريرة وهي قراءة الشافعي « تترى » بالتنوين ، فألفه للإلحاق بجعفر ، ف « لما » نون ذهبت ألفه لالتقاء الساكنين وباقي السبعة « تترى » بألف صريحة دون تنوين ، والألف للتأنيث باعتبار أن الرسل جماعة ، والتاء بدل من الواو ، فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل وقع حالا أي متواترة أي متتابعة فرادى . كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ وسلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من أهلكوا . فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي بالهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا ، فيعتبر منهم أهل السعادة ويتغافل منهم أهل الشقاوة . فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) أي بعدوا من رحمة اللّه تعالى بعدا ، إذ لم يؤمنوا ولم يعتبروا منهم . ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا التسع ، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) أي حجة واضحة ملزمة للخصم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي أشراف قومه ، فَاسْتَكْبَرُوا عن الانقياد لهما وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) في أمور الدنيا ، قاهرين بني إسرائيل بالظلم فَقالُوا فيما بينهم بطريق المناصحة أَ نُؤْمِنُ أي أننقاد لِبَشَرَيْنِ موسى وهارون مِثْلِنا في البشرية وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) أي والحال أن قومهما بني إسرائيل